أبي منصور الماتريدي

317

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يقال : كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء محنة ، كقوله : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] ، وكقوله : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ ، وكقوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [ البقرة : 155 ] الآية » . فالماتريدي بعد ما حلل الآية موضع التفسير دفع بالآيات ليدلل على ما ذهب إليه ، وهي كلها تدل على معنى الآية المفسرة ، أو شبيهة بها . ومنه - أيضا - ما جاء عند تفسير قول الله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ حيث قال : « ويحتمل أن تكون الآية في جملة المؤمنين ، أي : استجيبوا لله في أوامره ونواهيه ، وللرسول فيما يدعوكم إليه ، وإنما كان يدعو إليه إلى دار الآخرة ، كقوله تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ، ودار الآخرة هي دار الحياة ؛ كقوله : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ كأنه قال - والله أعلم - أجيبوا لله وللرسول ؛ فإنه إنما دعاكم إلى ما تحيون فيها ، ليس كالكافر الذي لا يموت فيها ، ولا يحيا بتركه الإجابة » . ونلاحظ هنا أنه بدأ بالتحليل ، ثم ذكر الآيات الدالة ، ثم عاد للتحليل والتوجيه مرة أخرى . وإذا كانت النماذج السابقة تتجه فيها الآيات المفسّرة إلى بيان معنى الآية المفسّرة ، فإن الآية المفسرة قد تفسر كلمة واحدة في الآية ، كما جاء في تفسيره لقول الله عزّ وجل : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : 25 ] فقد أراد الماتريدي تفسير كلمة وَاتَّقُوا فقال : « أي اتقوا فتنة التي تصيب الظلمة منكم خاصة بظلمهم ، وهو العذاب ؛ كقوله : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ » . ثانيا : أسباب النزول : استعان الماتريدي في تفسيره ببيان أسباب النزول ، وأحيانا يحشر المرويات التي وردت في سبب النزول ولا يكتفي برواية واحدة ، وأحيانا أخرى يكتفي برواية واحدة . ومما ذكره في أسباب النزول ما جاء في سبب نزول قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ . . . الآية . حيث قال : « فالسؤال يحتمل وجهين : يحتمل أنهم سألوا عن حلها وحرمتها ؛ لأن الغنائم كانت لا تحل في الابتداء ، قيل : إنهم كانوا يغنمونها ويجمعونها في موضع ، فجاءت نار فحرقتها ، وسألوا عن حلها